السيرة النبوية لابن اسحاق 8

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

السيرة النبوية لابن اسحاق 8

مُساهمة من طرف الفهدالمصرى في الأربعاء أبريل 29, 2009 3:06 am

ذؤيب، فاسرحوا معهم، فيسرحون مع غنمي حيث نسرح، فيريحون أغنامهم جياعاً وما فيها قطرة لبن، وتروح غنمي شباعاً، لبناً نحلب ما شئنا، فلم يزل الله عز وجل يرينا البركة، ونتعرفها حتى بلغ سنتيه، وكان يشب شباباً لا يشبه الغلمان، فو الله ما بلغ سنتيه حتى كان إلاماً جفرا، فقدمنا به على أمه، ونحن أضن شيء به مما رأينا فيه من البركة، فلما رأته أمه، قلنا لها: يا ظئر دعينا نرجع ببنينا هذه السنة، فإنا نخشى عليه أولاء مكة، فوالله ما زلنا بها حتى قالت: فنعم، فسرحته معنا.
فأقمنا به شهرين أو ثلاثة، فبينا نحن خلف بيوتنا، وهو مع أخ له من الرضاعة في بهم لنا، جاءنا أخوه يشتد، فقال: ذاك أخي القرشي قد جاءه رجلان عليهما ثياب بياض، فأضجعاه فشقا بطنه، فخرجت أنا وأبوه نشتد نحوه، فنجده قائماً منتفعاً لونه، فاعتنقه أبوه، وقال: أي بني، ما شأنك? قال: جاءني رجلان عليهما ثياب بياض، فأضجعاني فشقا بطني، ثم استخرجا منه شيئاً فطرحاه، ثم رداه كما كان، فرجعنا به معنا، فقال أبوه: يا حليمة لقد خشيت أن يكون ابني قد أصيب، انطلقي بنا، فنرده إلى أهله قبل أن يظهر به ما يتخوف.
قالت: فاحتملناه، فلم ترع أمه إلا به قد قدمنا به عليها، فقالت: ما رد كما به، قد كنتما عليه حريصين?! فقلنا: لا والله يا ظئر، إلا أن الله عز وجل قد أدى عنا وقضينا الذي علينا، وقلنا: نخشى الإتلاف والأحداث، نرده إلى أهله، فقالت: ما ذلك بكما، فاصدقاني شأنكما، فلم تدعنا حتى أخبرناها خبره، فقالت: أخشيتما عليه الشيطان، كلا والله ما للشيطان عليه سبيل، وإنه لكائن لا بني هذا شأن، ألا أخبر كما بخبره? قلنا: بلى، قالت: حملت به، فما حملت حملاً قط أخف منه، فأريت في النوم حين حملت به كأنه خرج مني نور أضاءت له قصور الشام، ثم وقع حين ولدته وقوعاً ما يقعه المولود، معتمد أعلى يديه، رافعاً رأسه إلى السماء، فدعياه عنكما.
حدثنا أحمد قال: نا يونس بن بكير عن ابن إسحق قال: حدثني ثور بن يزيد عن خالد بن معدان، عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم قالوا: يا رسول الله، أخبرنا عن نفسك، فقال: دعوة أبي إبراهيم، وبشرى عيسى، ورأت أمي حين حملت بي أنه خرج منها نور أضاءت له قصور بصرى من أرض الشام، واسترضعت في بني سعد بن بكر، فبينا أنا مع أخ لي في بهم لنا، أتاني رجلان عليهما ثياب بياض، معهما طست من ذهب مملوءة ثلجاً، فأضجعاني، فشقا بطني، ثم استخرجا قلبي فشقان، فأخرجا منه علقة سوداء، فألقياها، ثم غسلا قلبي وبطني بذاك الثلج، حتى إذا أنقياه، رداه كما كان، ثم قال أحدهما لصاحبه: زنة بعشرة من أمته، فوزنني بألف، فوزنتم، ثم قال: زنه بألف من أمته، فوزنني بألف، فوزنتهم، فقال: دعه عنك، فلو وزنته بأمته لوزنهم.
حدثنا أحمد قال: نا يونس بن بكير عن أبي سنان الشيباني، عن حبيب ابن أبي ثابت، عن يحيى بن جعدة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن ملكين جاءاني في صورة كركيبن، معهما ثلج وماء بارد، فشرح أحدهما صدري، ومج الآخر منقاره، فغسله.
حديث تبع الحميري
حدثنا أحمد بن عبد الجبار: نا يونس بن بكير عن ابن إسحق قال: ثم إن تبعا أقبل من مسيره الذي كان سار يجول الأرض فيه، حتى نزل على المدينة، فنزل بوادي قباء، فحفر فيها بئراً، فهي اليوم تدعى بئر الملك، وبالمدينة إذ ذاك يهود، والأوس والخزرج، فنصبوا له فقاتلوه، فجعلوا يقاتلوه بالنهار، فإذا أمسى أرسلوا إليه بالضياقة وإلى أصحابه، فلما فعلوا ذلك به ليالي استحي، فأرسل إليهم يريد صلحهم، فخرج إليه رجل من الأوس يقال له: أحيحة بن الجلاح بن حريش بن جحجبا بن كلده بن عوف بن عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس، وخرج إليه من يهود بنيامين القرظي، فقال له أحيحة: أيها الملك نحن قومك، وقال بنيامن: أيها الملك هذه بلدة لا تقدر أن تدخلها لو جهدت بجميع جهدك، فقال: ولم? قال: لأنها منزل نبي من الأنبياء، يبعثه الله عز وجل من قريش، وجاء تبعاً مخبر خبره عن اليمن أنه بعث الله عليها ناراً تحرق كل ما مرت به، فخرج سريعاً، وخرج معه بنفر من يهود فيهم بنيامين وغيره، وهو يقول:
إني نذرت يميناً غير ذي خلف

ألا أجوز وبالحجاز مخـلـد
حتى أتاني من قريظة عالـم

حبر لعمرك في اليهود مسود
ألقى إلي نصيحة كي أزدجر

عن قرية محجورة بمحمـد
حدثنا أحمد: نا يونس عن ابن إسحق قال: ثم خرج يسير حتى إذا كان بالدف من جمدان، من مكة على ليلتين أتاه ناس من هذيل بن مدركة، وتلك منازلهم، فقالوا: أيها الملك ألا ندلك على بيت مملوء ذهباً وياقوتاً وزبرجداً تصيبه وتعطينا منه? فقال: بلى، فقالوا: هو بيت بمكة، فراح تبع وهو مجمع لهدم البيت، فبعث الله عز وجل عليه ريحاً فقفعت يديه ورجليه، وشجت جسده، فأرسل إلى من كان معه من يهود، فقالوا أحدثت نفسك بشيء? قال: نعم جاءني نفر منأهل هذا المنزل رحنا منه، فدلوني على بيت مملوء ذهباً وياقوتاً وزبرجداً، ودعوني إلى تخريبه وإصابة ما فيه، على أن أعطيهم منه شيئاً، فرأيت لهم بذلك، فرحت، وأنا مجمع لهدمه، فقال النفر الذين كانوا معه من يهود: ذلك بيت الله الحرام، ومن أراده هلك، فقال: ويحكم فيما المخرج مما دخلت فيه? قالوا: تحدث نفسك أن تطوف به كما يصنع به أهله وتكسوه وتهدي له، فحدث نفسه بذلك، فأطلقه الله عز وجل وقال في شعره:
بالدف من جمدان فوز مصعـد

حتى أتاني من هـذيل أعـبـد
ذكروا إلي البيت، قالوا كـنـزه

در ياقـوت وفـيه زبـرجـد
فأردت أمراً حال ربـي دونـه

والرب يدفع عن خراب المسجد
ثم سار حتى دخل مكة، فطاف بالبيت، وسعى بين الصفا والمروة، فأري في المنام أن يكسو البيت فكساه الخصف، وكان أول من كساه، ثم أري أن يكسوه أحسن من ذلك فكساه المعافري، ثم أري أن يكسوه أحسن من ذلك، فكساه الوصائل، وصائل اليمن، وأقام بمكة ستة أيام أيام - فيما ذكر لي - ينحر بها الناس، ويطعم من كان بها من أهلها ويستقيهم العسل، قال: فكان تبع فيما ذكر لي أول من كساه وأوصى به ولادته من جرهم، وأمرهم بتطهيره، ولا يقربوه ميتة، ولا دماً ولا مئلانا - وهو الحائض - وجعل باباً ومفتاحاً، وقال تبع في الشعر:
ونحرنا بالشعب ستة ألـف

ترى الناس نحوهن ورودا
وكسونا البيت الذي حرم الله

ملاء معـضـداً وبـرودا
وأقمنا بها من الشهر ستـا

وجعلنا لبـابـه اقـلـيدا
وأمرنا به الجرهمين خيرا

وكانوا لحافيته شـهـودا
وأمرنا ألا يقربن مـئلانـا

ولا ميتاً ولا دما مفصـودا
ثم سرنا نؤم قصد سـهـيل

قد رفعنا لواءنا معـقـودا
حدثنا أحمد قال: نا يونس عن ابن إسحق قال: فلما أراد الشخوص إلى اليمن، أراد أن يخرج حجر الركن، فيخرج به معه، فاجتمعت قريش إلى خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي، فقالوا: ما دخل علينا يا خويلد أن ذهب هذا بحجرنا، قال: وما ذاك? قالوا: تبع يريد أن يأخذ السيف، وخرج وخرجت معه قريش بسيوفهم حتى أتوا تبعاً، فقالوا: ماذا تريد يا تبع إلى الركن? فقال: أردت أن أرج حتى أتوا الركن، فقاموا عنده، فحالوا بينه وبين ما أراد من ذلك، فقال خويلد في ذلك شعراً:
دعيني أم عمرو ولا تلومـي

ومهلاً عاذلي لا تعذلـينـي
دعيني لا أخذت الخسف منهم

وبيت الله حتى يقتـلـونـي
فما عذرني وهذا السيف عندي

وعضب نال قائمة يمـينـي
ولكن لم أجد عنهـا مـحـيداً

وغني راهق ما أرهقونـي
حدثنا أحمد قال: حدثنا يونس عن ابن إسحق، قال: ثم خرج متوجهاً إلى اليمن مدينتان يقال لاحدهما مأرب، والأخرى ظفار، وكان منزل الملك في مأرب مبيناً بصفائح الذهب، وكان منزله في ظفار، وكان منزل الملك في مأرب مبنياً بالرخام، وكان إذا شتى في مأرب، وإذا صاف، صاف في ظفار، وكانت مأرب بها ينشأ أبناء الملوك ويتعلمون الكلام، وكان ابن الحميري إذا بلغ قال: أرسلوا به إلى مأرب يتعلم المنطق، وكان في ظفار اصطوان من البلد الحرام مكتوب في أعلاها بكتاب من الكتاب الأول: لمن الملك، ظفار، لحمير الأخبار، فلما قدمها تبع نشرت يهود التوراة، وجعلوا يدعون الله عز وجل على النار حتى أطفأها الله عز وجل.
وكان لأهل اليمن شيطان يعبدونه، قد بنوا له بيتاً من ذهب، وجعلوا بين يديه حياضاً، فكانوا يذبحون له فيها، فيخرج، فيصيب من ذلك الدم، ويكلمهم، ويسألونه، فكانوا يعبدون فلما أطفأت يهود النار قالوا لتبع: إن ديننا هذا الذي نحن عليه خير من دينك، فلو أنك تابعتنا على ديننا، فقد رأيت أن إلهك هذا لم يغن عنك شيئاً، ولا عن قومك عند الذي نزل بكم، فقال تبع: فكيف نصنع به ونحن نرى منه ما ترون من الأعاجيب? قالوا: أفرأيت إن أخرجناه عنك تتبعنا على ديننا? قال: نعم، فجاءوا إلى باب ذلك البيت، فجلسوا علبه بتوراتهم ثم جعلوا يذكرون أسماء الله عز وجل، فلما سمع الشيطان، لم يثبت وخرج جهاراً حتى وقع في البحر، وهم ينظرون، وأمر تبع ببيته الذي كان فيه، فهدم، وتهود بعض ملوك حمير، ويزعم بعض الناس أن تبعاً قد كان تهود.
حدثنا أحمد قال: نا يونس عن زكريا بن يحيى المدني قال: حدثنا عكرمة قال: سمعت ابن عباس يقول: لا يشبهن عليكم أمر تبع، فإنه كان مسلماً.
مقتل تبع
حدثنا أحمد بن عبد الجبار: نا يونس بن بكير عن ابن إسحق قال: لما فعل تبع ما فعل، غضبت ملوك حمير، وقالوا: ما كان يرضى أن يطيل غزونا، ويبعدنا في المسير من أهلينا حتى طعن أيضاً في ديننا وعاب آباءنا، فاجتمعوا على أن يقتلوه، ويستخلفوا أخاه من بعده، فاجتمع رأي الملوك على ذلك كلهم إلا ذا غمدان فإنه أبي، يماليهم على ذلك، فثاروا به، فأخذوه ليقتلوه فقال لهم: أتراكم قاتلي? قالوا: نعم، قال: اما أنا فإذا قتلتموني فادفنوني قائماً، فإنه لم يزال لكم ملك قائم ما دمت قائماً، فلما قتلوه، قالوا: والله لا يملكنا حياً وميتا، فنكسوه على رأسه، فقال في ذلك ذو غمدان، في الذي كان من أمره:
إن تك حمير غدرت وخانت

فمعذرة الإله لذي رعـين
ألا من يشتري سهراً بنـوم

سعيد من يبيت قرير عين
وقال في ذلك عبد كلال بعد قتل أخيه واستخلافهم إياه حين قتل وجوه حمير:
شفيت النفس ممن كان أمسى

قرير العين قد قتلوا كريمي
فلما أن فعلت أصاب قلبـي

بما قد جئت من قتل رغـيم
أشاروا لي بقتـل أخ كـريم

وليس لذي الضرائب باللئيم
فعدت كأن قلبي في جنـاح

بعيش ليس يرجع في نعـيم
وعاد القلب كالمجنون ينمـي

إلى الغابات ليس بذي حميم
فلما أن قتلت بـه كـرامـا

وصاروا كلهم كالمستـلـيم
رعت إلى الذي قد كان مني

كأن القلب ليس بذي كلـوم
جزى رب البرية ذار عـين

جزاء الخلد من داع كـريم
فإني سوف أحفظه وربـي

وأعطيه الطريف مع القديم
وقال عبد كلال أيضاً يرثى أخاه:
أطعت القوم إذ غشوا جمـيعـاً
avatar
الفهدالمصرى

عدد المساهمات : 56
تاريخ التسجيل : 28/04/2009
العمر : 39

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى